التحرش الجنسي ... قضية سلطة و نفوذ!!

نشر بتاريخ 15 مارس 2013 14:42:07

 

اقبًال الغربي /
 
دأت مسالة التحرش الجنسي تحتل موقعا إعلاميا متميزا في جميع أنحاء العالم، و قد أثار الاغتصاب الجماعي لفتاة هندية زوبعة سياسية زعزعت المؤسسات الدولة كما تحول اغتصاب مريم التونسية إلى قضية رأي عام هزت وجدان كل التونسيين و جندت وراءها كل الجمعيات النسائية وكل الفئات التقدمية.
بيد أن هذه الظاهرة ليس حديثة فهي قديمة قدم البشرية و هي حولت حياة مئات الملايين من النساء والفتيات إلى كابوس دائم، ودمرت مستقبل ملايين من الأطفال فتيان وفتيات تعرضوا لاعتداءات جنسية لازمت آثارها السلبية كل فترات حياتهم.
والتحرش الجنسي هو سلوك عدواني فيه انتهاك للحصانة النفسية و الجسدية وهو يتجسد في إيحاءات جنسية غير مرغوب فيها ، لفظية أو جسدية ، أو بحركات ذات طابع جنسي سواء أكان هذا السلوك بشكل صريح أو ضمني. وله أشكال متعددة ووسائل متنوعة تختلف حسب المكان و الزمان و الفاعلين الاجتماعيين وتتعدد أشكاله من الملاحقة واللمس والنظرة الفاحصة واستخدام الإشارات والتلفظ بكلمات بذيئة والتصفير إلى الهرسلة الهاتفية أو عبر الرسائل الخ…
ورغم مجهودات وسائل الإعلام و المشهد اليوم في إبراز قضيا التحرش الجنسي والمخاطر التي تترتب عنها ، النفسية والصحية بالنسبة للمتحرش بهم ، والأخلاقية والتربوية بالنسبة للمتحرشين فان اغلب التحاليل تكتفي بعرض فضائح و جرائم التحرش الجنسي بشكل فرجوي لا تكشف عن بنى الهيمنة التي تقف ورائها و عن هيكلة موازين القوى المتسببة فيها.
فالتحرش الجنسي ليس قضية جنسية بقدر ما هو قضية سلطة و نفوذ!!
فهو انعكاس للتفاوت الطبقي أو الجنسي بين المرأة و الرجل و للعلاقات غير المتكافئة بين العامل و رب العمل بين الموظف و المسئول بين التلميذ و المعلم بين الطفل و الكهل إنّ البشر أثناء الإنتاج الاجتماعي لمعيشتهم يقيمون فيما بينهم علاقات معيّنة ضرورية مستقلّة عن إرادتهم. وتطابق علاقات الإنتاج التفاضلية السائدة
وفي هذا الصدد تظهر لغة الأرقام أن العاملات المنزليات هن من أكثر الفئات التي تتعرض للتحرشات الجنسية في جميع أنحاء العالم فالعاملة المنزلية تمثل في المخيال الجمعي نموذج المرأة الفريسة وخادمة الشهوة الجماعية، وهي تعيد إنتاج الصورة القروسطية لملك اليمين والآمة المستباحة شرعا دون زواج.
كما كشفت تقارير وزارة الدفاع الأمريكية أن أكثر من 300 حالة تحرش جنسي ضد نساء سجلت في ثلاث أكاديميات عسكرية أمريكية عام 2004م , وجاء في التقرير أن النساء يمثلن بين 15 و17% من تلميذات الضباط في أسلحة البر والبحر والجو وأن “عددا كبيرا” من حالات التحرش الجنسي لم يعلن عنها.
و بينت الجمعية الأمريكية للنساء الجامعيات وهي منظمة تدافع عن حقوق المرأة مقرها واشنطن عبر دراسة قامت بها في الأوساط الطلابية ان61 في المائة من الذكور و62 في المائة الإناث كانوا ضحية شكل من أشكال التحرش الجنسي، وهو ما تعرفه الدراسة بأنه سلوك جنسي غير مرّحب به.
وفي ضل علاقات شغل سلطوية و غير متكافئة تتعرض العاملات و الموظفات إلى المساومة الجنسية عندما يصبح عرض العمل أو شروط العمل أو الترقية أو إعادة التوظيف أو استمرارية الوظيفة رهيناً بقبول الشخص للإيحاءات الجنسية غير المرغوبة أو بمدى احتماله لها.
وتوصلت نتائج الدراسة التي أنجزتها المنظمة التونسية لمناهضة العنف ضد المرأة والتي شملت عينة تتكون من 5000 امرأة يمثلن مختلف فئات المجتمع محجبات و سافرات إلى أن 67 بالمائة من النساء التونسيات تعرضن للعنف الجسدي والمعنوي والجنسي خلال عامي 2011 و2012 وتؤكد الدراسة أن استفحال البطالة والفقر والشعور بالحرمان إضافة إلى انسداد الآفاق أججت حالة من الضغط النفسي على الأفراد وحولتهم إلى شخصيات عدوانية تستبطن استعدادا لممارسة العنف المجاني.

 

 

فالعامل يعيش عملية استنزاف للجسد لصالح رب العمل وعملية استنزاف للوجدان نتيجة للإحساس بالاستغلال دون القدرة على الرد و العاطل عن العمل يفتقر إلى هوية اجتماعية مع شعور ساحق بالعجز و احتقار الذات والكل يتحولون إلى قنابل موقوتة جراء البؤس الجنسي و الحرمان العاطفي و يلتجئون إلى التحرش الجنسي لتفريغ جزئ من هذه المعاناة .
فالتحرش سلوك عنصري غير شرعي يمارسه الأقوياء ضد الضعفاء، والذكور ضد الإناث، والرؤساء ضد المرؤوسين،والكبار ضد الأطفال أو القاصرات، والبشر ضد الحيوانات في بعض الحالات .
و على المستوى السياسي استعمل التحرش الجنسي كاستراتيجينا للردع و القمع المعمم و ذلك لتأديب الناشط السياسي و لتمرير رسالة ترهيب الرعية حتى يمنع كل فرد نفسه وذويه من كل نشاط سياسي لكي خوفا من التعرض لهذه الجريمة البشعة التي تقع داخل أقسام الشرطة و في السجون و لدينا عدة شهادات من المناضلات الإسلاميات و التقدميات
وعرفت بلدان الربيع العربي عمليات تحرش جنسي ممنهج لإرهاب الناشطات السياسيات و النساء السافرات و ذلك في إطار سياسات الإقصاء و فرض تحجيب النساء و إرجاعهن إلى خدورهن وهي تقنية بشعة لابتزاز المرأة واستغلالها وتعريضها لمزيد من الإيذاء النفسي والجسدي.
أما على المستوى النفسي فيكشف التحرش الجنسي عن شخصية هشة و صبيانية لا تعترف برغبة الآخر تحتاج إلى تشييئ المرأة لتأكيد الذات أمام النفس و أمام الآخرين عاجزة عن إقامة علاقات صحية و ندية مع المرأة .
و غالبا ما يكون المنحرف أسير رغبة السيطرة و متعة التحكم في الطرف الآخر و محاولة تطويعه و إخضاع إرادته .
فالمتحرش الجنسي يمكن أن يكون إنسانا خجولا و منطويا على نفسه وينتهز الزحام و الذوبان ضمن الحشد لإثبات هيمنته و فحولته على الجنس الأضعف وهو يستمتع بنظرات الاستغراب و القرف من طرف ضحيته.
فالتحرش الجنسي ليس علامة حب أو رغبة أو عدم مقاومة إغراء المرأة بدليل أن التحرش يستهدف ايضا الأطفال الأبرياء و الرجال بل هو احتقار و ازدراء لرغبة الآخر و لرأيه و محاولة لتوظيفه لإشباع دوافع مرضية.